فلسطينية العينين والوشم
08-22-2009, 10:54 PM
ما زال أبو العبد حيّا
بقلم نعيم عودة (http://www.diwanalarab.com/spip.php?auteur576)
انقضت ثلاثون سنة وهو في غربته القسرية.. ثلاثون سنة انسلخت من شجرة العمر التائه في الأوهام.. ثلاثون سنة محمّـلة صباح مساء، بكلّ ألوان الطيف الحزين المؤمّـل في عودة قريبة ذات يوم.. إليها، والرؤى الخضراء تمتـدّ على مـدّ النظر، والبساط السندسي الذي لا ينتهي يجول به ابتداء من قريته سابحا حتى يصل إلى يـافــا.. ويافا حزينة، لقد بحّ صوت النداء.
العائد- توقف هنا ! توقف هنا أيها السائق !! أريد أن املأ عينيّ من رؤى الجنة، أريد أن أملأ رئتيّ من عليلها. هنا أيها السائق ومن على هذه التلّة كنا نقف لنلقي نظرة على القرية في الصباح الباكر.. ونحن سارحون إلى الحقول.. كنا نرى الشمس في مهدها ترسل أشعة بيضاء ثم ترفع حاجبيها من فوق أمواج البحر الأبيض، ويافا الحبيبة تنفض عن ثغرها آهات النوم، ومن شفتيها المزدانتين بألوان الزهر تندفع موجات من عبق البرتقال والليمون.
أيها السائق، أما زلتم تذوقون طعم برتقال يـافــا؟
من هنا كنا نرى وادي (كانا) الأخضر، ها هو يمتدّ على أطراف القرية الناعسة، كم كنا نسعد يوم نأتيه.. أشــجار الزيتون.. التفاح.. عرائش الكرمة.. كلّ الوان الخضار التي تشتهيها النفس.. طيور الشنّار والدرّاج والقطا.. والنبع الذي يفيض في الجدول الرقراق.. يسقي الشجر ويروي العطاش.. غابة وحديقة في آن.
أيها السائق.. أما زالت صبايا القرية يحملن الجرار على رؤوسهنّ ذهايا وإيابا إلى حيث النبع؟ والشباب الذين يصفرون من بعيد؟ آه.. بانوراما حقيقية، جميلة. ثلاثون سنة من عمر الضياع، واليوم أعود. بانوراما.. أليس كذلك أيها السائق؟
السائق – لقد عدت متأخرا. فقد سافر الزمان واتخذ قطار النسيان رفيقا.
العائد – تبدو متعبا أيها السائق.. هيا بنا.. خذني إلى بيت أخي (أبو العبد)، سيفرح عندما يراني، لن يصدّق عينيه، سيشعر أنه
في حلم جميل. سأقبّل يده فهو في مقام أبي، في مثل هذا الوقت من كل يوم كان يدور حول بيته يسقي الحديقة ويشذّب
الأغصان ويعلف الدجاج ويجمع الحشيش ليطعم الأرانب. لا يغيّر عادته أبدا.
السائق – هذا هو بيت أخيك.
العائد – هــذا!! إنه يبدو مهجورا!! أين شجر اللوز؟ أين هي شجرة التين التي كنت أرتقي؟ أين أبو العبد؟!
السائق – هناك تحت العريشــة.
العائد – لا يمكن، هذا أبي! لا.. لا أبي مات منذ زمن بعيد. واندفع كالسهم الضالّ نحو العريشة، وقف أمام الشخص الماثل أمامه، رجل في أخريات سنيّه.. يجلس في كرسيّ خشبيّ عتيق..
رفع أبو العبد عينيه الكليلتين نحو العائد.. لم يستطع أن ينهض فمدّ يديه مرحّـبا.. وبسط على صفحة وجهه ابتسامة باهتة.
أبو العبد- أهـلا بالضيف.
العائد – أنا العائد.. أنا العائد.. ألا تقف فأحضنك. وتلقف يديه يقبلهما بينما غطّت سحابة سماءهما وانهمرت دموع.
أمقعـد أنت يا أخي؟
أبو العبد – أنا مقيم هنا مذ غادرتني أيها العائد.. هذه العريشة هي مقامي طيلة النهار، فإذا جنّ الليل نقلوني إلى غرفتي.
لشــدّ ما لاقيت بعدك من عنــت.
العائد – أين إبهام يدك؟ ماذا جرى لإبهامــك؟
أبو العبد – دفنته هنــا. وأنا أجلس فوقه منذ حينئذ.
العائد – إبهامك.. إبهام يدك مدفون هنــا؟
ابو العبد – إن لم أجلس فوقه طيلة نهاري، ولم يحرسه كلبي طيلة ليلي، فإنهم سيأخذونه.
العائد – يأخذونه !! من هم الذين يأخذونه؟
أبو العبد – المنافقــون، وهم كثير.
ألقى العائد نظرة نحو السماء، وتمتم بعبارات مبهمة، ثمّ أدار رأسه ناحية البيت. شاهد أم العبد تتقدم أبناءها الشباب.
العائد – أكاد لا أصدّق عــينيّ.. أأنـا هنا حقا؟
أم العبد – أنت هنـا أيها العائد، ولكن الزمن هو الذي لا يعود.
ناموا تلك الليلة في القرية.. وكان الكلب يحرس إبهام صاحبه، حـتى إذا أصبح الصباح أفاقوا.
زيت زيتون.. جبنة بلدية.. زيتون أخضر.. زيتون أسود.. بيض بلدي.. بصل أخضر وفجل أحمر.. فطـور أهل القرية.. ما أطيب رائحــة الأرض!!
يتبع
بقلم نعيم عودة (http://www.diwanalarab.com/spip.php?auteur576)
انقضت ثلاثون سنة وهو في غربته القسرية.. ثلاثون سنة انسلخت من شجرة العمر التائه في الأوهام.. ثلاثون سنة محمّـلة صباح مساء، بكلّ ألوان الطيف الحزين المؤمّـل في عودة قريبة ذات يوم.. إليها، والرؤى الخضراء تمتـدّ على مـدّ النظر، والبساط السندسي الذي لا ينتهي يجول به ابتداء من قريته سابحا حتى يصل إلى يـافــا.. ويافا حزينة، لقد بحّ صوت النداء.
العائد- توقف هنا ! توقف هنا أيها السائق !! أريد أن املأ عينيّ من رؤى الجنة، أريد أن أملأ رئتيّ من عليلها. هنا أيها السائق ومن على هذه التلّة كنا نقف لنلقي نظرة على القرية في الصباح الباكر.. ونحن سارحون إلى الحقول.. كنا نرى الشمس في مهدها ترسل أشعة بيضاء ثم ترفع حاجبيها من فوق أمواج البحر الأبيض، ويافا الحبيبة تنفض عن ثغرها آهات النوم، ومن شفتيها المزدانتين بألوان الزهر تندفع موجات من عبق البرتقال والليمون.
أيها السائق، أما زلتم تذوقون طعم برتقال يـافــا؟
من هنا كنا نرى وادي (كانا) الأخضر، ها هو يمتدّ على أطراف القرية الناعسة، كم كنا نسعد يوم نأتيه.. أشــجار الزيتون.. التفاح.. عرائش الكرمة.. كلّ الوان الخضار التي تشتهيها النفس.. طيور الشنّار والدرّاج والقطا.. والنبع الذي يفيض في الجدول الرقراق.. يسقي الشجر ويروي العطاش.. غابة وحديقة في آن.
أيها السائق.. أما زالت صبايا القرية يحملن الجرار على رؤوسهنّ ذهايا وإيابا إلى حيث النبع؟ والشباب الذين يصفرون من بعيد؟ آه.. بانوراما حقيقية، جميلة. ثلاثون سنة من عمر الضياع، واليوم أعود. بانوراما.. أليس كذلك أيها السائق؟
السائق – لقد عدت متأخرا. فقد سافر الزمان واتخذ قطار النسيان رفيقا.
العائد – تبدو متعبا أيها السائق.. هيا بنا.. خذني إلى بيت أخي (أبو العبد)، سيفرح عندما يراني، لن يصدّق عينيه، سيشعر أنه
في حلم جميل. سأقبّل يده فهو في مقام أبي، في مثل هذا الوقت من كل يوم كان يدور حول بيته يسقي الحديقة ويشذّب
الأغصان ويعلف الدجاج ويجمع الحشيش ليطعم الأرانب. لا يغيّر عادته أبدا.
السائق – هذا هو بيت أخيك.
العائد – هــذا!! إنه يبدو مهجورا!! أين شجر اللوز؟ أين هي شجرة التين التي كنت أرتقي؟ أين أبو العبد؟!
السائق – هناك تحت العريشــة.
العائد – لا يمكن، هذا أبي! لا.. لا أبي مات منذ زمن بعيد. واندفع كالسهم الضالّ نحو العريشة، وقف أمام الشخص الماثل أمامه، رجل في أخريات سنيّه.. يجلس في كرسيّ خشبيّ عتيق..
رفع أبو العبد عينيه الكليلتين نحو العائد.. لم يستطع أن ينهض فمدّ يديه مرحّـبا.. وبسط على صفحة وجهه ابتسامة باهتة.
أبو العبد- أهـلا بالضيف.
العائد – أنا العائد.. أنا العائد.. ألا تقف فأحضنك. وتلقف يديه يقبلهما بينما غطّت سحابة سماءهما وانهمرت دموع.
أمقعـد أنت يا أخي؟
أبو العبد – أنا مقيم هنا مذ غادرتني أيها العائد.. هذه العريشة هي مقامي طيلة النهار، فإذا جنّ الليل نقلوني إلى غرفتي.
لشــدّ ما لاقيت بعدك من عنــت.
العائد – أين إبهام يدك؟ ماذا جرى لإبهامــك؟
أبو العبد – دفنته هنــا. وأنا أجلس فوقه منذ حينئذ.
العائد – إبهامك.. إبهام يدك مدفون هنــا؟
ابو العبد – إن لم أجلس فوقه طيلة نهاري، ولم يحرسه كلبي طيلة ليلي، فإنهم سيأخذونه.
العائد – يأخذونه !! من هم الذين يأخذونه؟
أبو العبد – المنافقــون، وهم كثير.
ألقى العائد نظرة نحو السماء، وتمتم بعبارات مبهمة، ثمّ أدار رأسه ناحية البيت. شاهد أم العبد تتقدم أبناءها الشباب.
العائد – أكاد لا أصدّق عــينيّ.. أأنـا هنا حقا؟
أم العبد – أنت هنـا أيها العائد، ولكن الزمن هو الذي لا يعود.
ناموا تلك الليلة في القرية.. وكان الكلب يحرس إبهام صاحبه، حـتى إذا أصبح الصباح أفاقوا.
زيت زيتون.. جبنة بلدية.. زيتون أخضر.. زيتون أسود.. بيض بلدي.. بصل أخضر وفجل أحمر.. فطـور أهل القرية.. ما أطيب رائحــة الأرض!!
يتبع